بين الرفض والقبول في السودان.. مبعوث أممي جديد “مثير للجدل”.. !

تقرير: الرشيد أحمد

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً على المستويين الرسمي والشعبي، وبين المراقبين للشأن السياسي السوداني، أفصح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن تعيين وزير الخارجية الفنلندي السابق بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً له إلى السودان، خلفاً للجزائري رمطان لعمامرة.
وتشير السيرة الذاتية لهافيستو إلى أنه يمتلك خبرة واسعة في العمل الدبلوماسي والسياسي والشؤون الدولية، حيث شغل منصب وزير خارجية فنلندا بين عامي 2019 و2023م، وهو عضو حالي في البرلمان الفنلندي.
وفي صعيد ذي صلة، كشفت مصادر مطلعة أن الحكومة رفضت تعيين هافيستو مبعوثاً، دون أن تفصح عن أسباب الرفض.

قضايا شخصية

وبالرغم من خبراته الدبلوماسية، إلا أن المبعوث الجديد للأمم المتحدة يحمل قضايا شخصية مثيرة للجدل، قد تضعفه أو “تطيح به في مهمته الجديدة في الخرطوم”، في بلد يتمسك بالقيم المحافظة ولا يعترف بحقوق المثليين.
فهافيستو، الذي يبلغ من العمر 67 عاماً، يُعد أول وزير فنلندي يعترف علناً بمثليته الجنسية، وخاض غمار السياسة دون إخفاء أو تغيير هذه الهوية. كما يعيش مع (رفيقه) الإكوادوري بيسكار أنطونيو فلوريس في فنلندا.

زيارة سابقة

هافيستو له خلفية سياسية عن السودان، إذ سبق له زيارة الخرطوم في العام 2019م إبان سقوط نظام البشير، والتقى بقيادات الحرية والتغيير، منهم ياسر عرمان وآخرون، إضافة إلى مسؤولين ومستشارين بمكتب رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك. وقدم دورات تدريبية في مجال التفاوض السياسي لكوادر الأحزاب التي كانت تفاوض المجلس العسكري الانتقالي حينها.
ويرى البعض أن العلاقات السابقة التي أقامها هافيستو مع القوى العلمانية المحسوبة حالياً على مليشيا الجنجويد، أو القوى التي تدعي الحياد، تُعد نقاط قوة له، بينما يعتبرها آخرون نقاط ضعف في بلد تتكون هويته وقيمه من مزيج واسع من القيم العائلية والقبلية والمحافظة.

استعداد كامل

وفي بيان له، أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” ترحيبه بتعيين بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان. وقال التحالف، في بيان تحصلت الصحيفة على نسخة منه، إنهم يأملون أن يمثل القرار فرصة جديدة لأن تضطلع الأمم المتحدة بدور أكثر فاعلية في إنهاء حرب السودان التي تمثل الكارثة الإنسانية الأكبر على مستوى العالم.
وأبدى التحالف استعداده الكامل للتعاون الإيجابي مع هافيستو وفريقه من أجل الدفع بجهود السلام.

ترحيب سياسي

وفي صفحته الرسمية على فيسبوك، اعلن رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير الترحيب بتعيين هافيستو مبعوثاً أممياً للسودان، وكذلك رحبت كيانات سياسية اخرى من بينها حركة العدل والمساواة السودانية والتيار الوطني.

ميول مثلية

من جانبه، يرى رئيس اللجنة السياسية بالحركة الوطنية للبناء والتنمية زهير هاشم طه أن تعيين هافيستو ورفض الحكومة له “يتعلقان بالهوية والميول الجنسية للرجل”. وأضاف أنه معروف بمثليته ومجاهر بهذه الميول، حيث أعلن “أنه تزوج من إكوادوري في العام 2002م”.
وقال طه إن هافيستو سياسي فنلندي عريق وعضو في حزب الخضر، وكان وزيراً للتعاون الدولي في بلده، وانخرط في الأمم المتحدة.

علاقة الحرية والتغيير

ويضيف طه قائلا، في العام 2019م، زار هافيستو السودان وحظي باستقبال من قوى الحرية والتغيير، وشارك في ورش تفاوضية لوفدها المفاوض للمجلس العسكري آنذاك، حيث دربهم على تطوير أساليب التفاوض.
وقال طه أن الحرية والتغيير علمانية وتجاهر بميولها، ولا تمتلك الحساسية المطلوبة تجاه مثل هذه القضايا، وهي — بحسب قوله — منبتة عن قيم الشعب السوداني المحافظ.
واعتبر طه قرار الحكومة غير غريب في بلد ذي أغلبية مسلمة ويحافظ على القيم والتقاليد الإسلامية والسودانية الأصيلة، مضيفاً أن المجموعة الحاكمة تمثل القوى المحافظة في الدولة، مثل القوات المسلحة والحركات المسلحة ومجلس السيادة الممثل للأقاليم.
وواصل حديثه قائلاً إن القوى المكونة للحكومة الحالية محافظة ولن تقبل بمثل هذا التعيين، مشيراً إلى أن على الأمم المتحدة أن تدرك أن تعيين هافيستو مرفوض وغير مرغوب فيه، وأن الأمين العام عليه اختيار غيره حتى لا يثير حفيظة السودانيين.
كما قال إنه لا يستغرب موقف “صمود” والمؤتمر السوداني وغيره من الكيانات التي أيدت التعيين، مشيراً إلى أن المؤتمر السوداني صاحب خلفية علمانية، وأصبحت له مؤخراً توجهات ليبرالية، ويرى أن توجهاته منبتة عن قيم الشعب السوداني الأصيلة التي لا تقبل بمثل هافيستو.
وأضاف أن تلك الأحزاب تضع نفسها في مواجهة الشعب السوداني المعتز بقيمه ودينه وأخلاقه، ويرى أنها تراكم أزماتها، وتدعي الحياد في المعركة المصيرية بين القوات المسلحة ومليشيا العدوان الإماراتي، وتبتعد بمواقفها — التي وصفها بالغريبة والمرفوضة — وستضع نفسها في خانة ضيقة مستقبلاً، وسيكون مستقبلها السياسي على المحك حال الإصرار على تلك المواقف وعدم التراجع عنها.

تجربة فولكر

من جهته يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الاستاذ اسماعيل محمود ان المبعوث الجديد، في حال تمت الموافقة عليه، سيواجه تحديات كبيرة، اولها ان
أي مبعوث أممي جديد يبدأ مهمته في السودان وهو محمّل بإرث معقد جدا، حيث تركت تجربة فولكر بيرتس انطباعاً واسعاً لدى قطاعات سودانية كبيرة بأن الدور الأممي تجاوز الوساطة إلى التأثير في تفاصيل سياسية داخلية تمس السيادة، لذا ظلت النتيجة أقرب إلى أن تكون فجوة ثقة حقيقية ستلاحق أي مبعوث جديد وتجعل الحياد والوضوح شرطين أساسيين لنجاحه.

عناصر قوة

يضيف الاستاذ اسماعيل في افادته لصحيفة (العودة) ان السيد بيكا هايفستو يمتلك خبرة أوروبية وعلاقات واسعة داخل الاتحاد الأوروبي والمنظومة الأممية ومعرفة مسبقة بالسودان.. وهذه عناصر قوة لكنها في نفس الوقت لا تكفي وحدها في ظل تضارب الأجندات الإقليمية والدولية وهيمنة بريطانيا وفرنسا على الاتحاد الأوروبي الأقرب إلى مزاج الإمارات وقحت.. وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمامه ليس في فتح القنوات، لكن اعتقد في إدارة التوازنات دون أن يكون طرفا يغذي ذات الأسباب التي فاقمت المشكل السوداني وادت في النهاية إلى اندلاع هذه الحرب.

احترام السيادة

واعرب الكاتب والمحلل السياسي اسماعيل محمود عن اعتقاده بان المقاربة الأنسب ليست الرفض ولا القبول المطلق.. لكن في دعم مشروط يقوم على وضوح التفويض وحدوده واحترام السيادة الوطنية وكذلك أولوية حماية المدنيين من الانتهاكات التي تقوم بها المليشيا المتمردة في دارفور وكردفان، وعدم فرض ترتيبات سياسية فوقية بمعزل عن الإرادة السودانية، وضمن هذه الضوابط يمكن أن يكون المبعوث جزءاً من الحل.

سلوك شخصي

من جهته يقول رئيس القطاع السياسي بحزب الأمة، جناح مبارك الفاضل، الاستاذ فتحي مادبو أن تعيين المبعوث الخاص أمر يخص الامين العام للأمم المتحدة والسودان دولة عضو فيها وقراراتها بطبيعة الحال ملزمة للدول الأعضاء.
ويشير فتحي إلى أن الحديث عن السلوك الشخصي للمبعوث كونه مثلي فهذا شان يخصه هو وحده.
ومناط تكليفه بالمساهمة في حل الأزمة السودانية كمبعوث من جانب الأمين العام للأمم المتحدة ليس له علاقة بدين أو عرق أو أصل وطني أو إنتماء فكري أو سياسي أو معتقد.

حملة اسفيرية

ويرى مادبو أن الحملة التي تدور في الأسافير عن سلوكه لا علاقة لها بدوره الوظيفي في منظمة الأمم المتحدة.
متوقعا ان الحكومة لا ترفضه إبتداءا، وإستدرك قائلا وحال تم رفضه إفن هذا الأمر سيدخلها في عداوات مع الامين العام للامم المتحدة، وتكون معركة بدون معترك محذرا من أن السودان بأوضاعه الإنسانية المعقدة في حاجة ماسة لوقوف الأمم المتحدة والأسرة الدولية إلى جانبه من اجل ان يتجاوز محنته، على حد تعبيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى