حالة.. أحزاب ما بعد سقوط الإنقاذ.. 

هل هي اجسام حقيقية أم ظاهرة مجهرية عابرة ؟

معاوية الجاك 

عادل الباز: لا يمكن للأحزاب الجديدة سد الفراغ السياسي الذي يعيشه الشارع السوداني

هي مجرد لافتات سياسية شكلية تفتقر للعضوية الحقيقية، والنشاط المستمر

 

ضياء الدين بلال: معظم الأحزاب التي نشأت عقب سقوط الإنقاذ هي واجهات فارغة

 من المهم قياس هذه الأصوات بأوزانها الحقيقية لا باللافتات

الدكتور أسامة عبد الرحيم: بإمكان الاحزاب التحول مستقبلا لقوى فعالة ومنتجة ولكن بشرط

بعض القوى السياسية انخرطت في اصطفافات خارجية مما أضعف استقلال قرارها السياسي

لا بد من إعادة الهيكلة وتقديم مشروع وطني جامع يتجاوز الاستقطاب القديم

عقب سقوط حكومة الإنقاذ في السادس من أبريل برزت للسطح السياسي مجموعة من الأجسام الجزبية الحديثة والتي تناسلت بصورة سريعة، ويرى البعض أنها استغلت فراغ الفضاء السياسي العريض بخلو الساحة من الأحزاب الكبيرة ذات التأثير والتي تساقطت مع سقوط الإنقاذ مثل حزب المؤتمر الوطني وتأثُّر للأحزاب التقليدية التأريخية بفعل حالة التآكل والانقسام التي ضربت كل شبر من جسدها، وحتى الأحزاب التي كانت تشارك الانقاذ السلطة هي الأخرى انسحب بعضها من المشهد.

 

عقب سقوط حكومة الانقائ في السادس من أبريل 2019، شهدت الساحة السياسية نمو واضح لبعض التنظيمات السياسية والتي وجدت (المساحة والزمن والسلطة والفراغ السياسي كما ذكرنا قبلاً، فزاد صينها وارتفع اسمها في بورصة الساحة السياسية وعمّ قرى وحضر السودان والعالم الخارجي، ومن بين هذه التنظيمات يمكن تسمية المؤتمر السوداني، حزب البعث بكل مكوناته، الحزب الناصري، بجانب بعض الأجسام التي نشأت موادفة لبعض الحركات المسلحة الصغيرة والاجسام المدنية التي ظل القائمون على أمرها يتحركون في مساحات كبيرة ب(عباءاتٍ واسعة) تفوق ما بداخلها، ظهرت العديد من الأحزاب التي يرى المراقبون انها لا تملك ما تقدمه للوطن َوالمواطن، وتعمل في حدود المصلحة الذاتية، ويستغلها اصحابها لتحقيق مكاسب خاصة.

احزاب بلا سيقان

في بعض الأحزاب هناك حزب الرجل الواحد الذي يقف على وجود؛ خص َاحد َحال إنسحب سقط للحزب وتاه ثم امدثر لدأبد، ومقل هذه الأحزاب لا تستحق وصف (الحزب) من الأساس لأنها لا تملك المقومات فهي لا تستند إلى قاعدة جماهيرية كبيرة تشكل لها أرضية تواجد وسط المحتمع تعينها على خوض غمار اي عملية انتخابية، فهي (احزاب بلا سيقان) ولم تقوى على الوقوف ولذلك تنشط في التحرك خلال الفترة الحالية للحصول على القدر الأكبر من الكسب بكل اتجاهاته، ويتوقع المراقبون اختفاء ظاهرة (حزب الرجل الواحد) عند أقرب عملية انتخابية.

الساحة تعاني من فراغ سياسي

نعود للأحزاب التي نشأت عقب سقوط الإنقاذ ويقفز السؤال الكبير:هل هذه الأحزاب قادرة على سد الفراغ الذي خلفه غياب الأحزاب الكبيرة عن الساحة السياسية؟

في هذا الجانب يرى الإعلامي والمحلل السياسي عادل الباز في حديثه للعودة أن

الساحة السياسية السودانية تعاني فعلاً من فراغ سياسي عميق، وهذا الفراغ لا يُعزى إلى غياب الأحزاب الكبيرة فحسب، بل يرجع أساسًا إلى طبيعة نشأة الكيانات الحزبية الجديدة والتحديات التي تواجه الأحزاب التقليدية على حد سواء، فالأحزاب السياسية، في جوهرها، كيانات اجتماعية تنبثق من رحم المجتمع. فهي تنشأ عادةً من الحركات الاجتماعية والدينية، والأندية الثقافية، والتجمعات الطلابية، وغيرها من الحضانات الاجتماعية الحقيقية. ثم تترسخ تدريجيًا في نسيج المجتمع من خلال عطائها السياسي المستمر، وأفكارها الواضحة، وبرامجها المتكاملة، وجهودها التنظيمية على مدى عقود طويلة.

غياب الرؤية المتماسكة والجذور الإجتماعية

يواصل الباز أفادت ل(لعودة) ويقول: ما يحدث اليوم مع معظم الأحزاب الجديدة أنها تظهر دون رؤية متماسكة او جذور اجتماعية راسخة، ودون حاضنة شعبية متينة، وغالبًا ما تكون مجرد مجموعات من الناشطين تجتمع وتعلن عن تأسيس حزب، دون أن تمتلك قاعدة اجتماعية حقيقية، أو تاريخ نضالي معتبر، أو عطاء ملموس في المجتمع. ونتيجة لذلك، تبقى هذه الكيانات مجرد لافتات سياسية شكلية، تفتقر إلى عضوية حقيقية، ونشاط مستمر، ورؤية استراتيجية واضحة، وبرنامج اجتماعي أو اقتصادي متماسك. ولهذا السبب، لا تستطيع هذه الأحزاب الجديدة سد الفراغ السياسي الذي يعيشه الشارع السوداني.

عملية بناء مفقودة

أما الأحزاب التقليدية الكبيرة – التي نشأت في الأربعينيات والخمسينيات، مثل حزب الأمة، والحزب الشيوعي، والحركة الإسلامية، والاتحاديين، وغيرها – فيرى الباز أن بناءها عقودًا طويلة (ثلاثين إلى سبعين سنة وأكثر) حتى تمكنت من ترسيخ قواعدها الاجتماعية وتماسكها التنظيمي. لكن هذه الأحزاب نفسها تواجه اليوم تحديات داخلية جسيمة: انقسامات وتشظٍ هائل، غياب رؤية موحدة، نقص حاد في الموارد، ضعف التنظيم، وانقطاع جيلي في القيادة. فقد كبرت أو رحلت معظم القيادات التاريخية والمؤسسة، ولم يتم تربية أجيال جديدة على العمل الحزبي المنهجي والجاد.

وبالتالي، فإن الأحزاب الكبيرة – رغم وزنها التاريخي – باتت تعاني هي الأخرى من فراغ داخلي، مما يجعلها غير قادرة على ملء الفراغ السياسي في الساحة العامة الراهنة. والفراغ المقصود هنا ليس مجرد غياب حزب أو آخر، بل هو فراغ شامل في العمل السياسي الجماهيري المستمر، وفي طرح الرؤى الواضحة، والدفاع عن المصالح العامة، والتواصل اليومي الحقيقي مع الناس.

هذه، في رأيي، هي المشكلة الأساسية التي تواجه الساحة السياسية السودانية – جديدها وقديمها – في الوقت الراهن.

نجاح مشروط

من جانبه يقول المحلل السياسي الدكتور أسامة محمد عبد الرحيم للعودة بشأن قدرة الأحزاب الحديثة على سد حالة الفراغ التي خلفتها الأحزاب الكبيرة: كاجابة مباشرة اقول:(حتى الآن لا) ، ولكن بشروط معينة يمكن لبعضها أن يتحول إلى قوة مؤثرة وفقاً لاشتراطات:

أولًا: طبيعة الفراغ السياسي بعد سقوط الإنقاذ والذي لم يكن فقط غياب حزب حاكم (المؤتمر الوطني)، بل تزامن معه: انهيار بنية تنظيمية ممتدة لعقود

تفكك شبكات المصالح والتمويل تراجع دور وتأثير الأحزاب التقليدية (الأمة، الاتحادي، الشيوعي…) بسبب الانقسامات وضعف التجديد مما قاد لفقدان الثقة الشعبية في الطبقة السياسية ككل،

وعطفاً على ما تقدم يرى الدكتور أسامة أن الشعب اصبح يواجه فراغاً مركباً ( تنظيمي _قيادي _ثقة جماهيرية) .

سمات مشتركة بين الاحزاب

يواصل المحلل الدكتور أسامة حديثه ل(العودة) ووصف معظم الأحزاب التي نشطت بعد 2019 بأنها كانت تتسم بسمات مشتركة اهم ما فيها:

* ضعف البناء التنظيمي خارج المدن الكبرى إن لم تكن تحصر نشاطها في العاصمة الخرطوم فقط، وغياب القواعد الريفية أو الامتداد القبلي/الطائفي بسبب اعتمادها على النخب أكثر من الجماهير.

* محدودية الموارد المالية

* غياب برامج اقتصادية مفصلة قابلة للتنفيذ،

بمعنى آخر، هي كيانات سياسية “حضرية – نخبوية” في الغالب.

كذلك فان بعض هذه الأحزاب كانت تستند إلى شرعية المشاركة في الحراك الثوري،لكن الشرعية الثورية لا تتحول تلقائيًا إلى شرعية انتخابية.

مقارنة بتجارب الربيع العربي

مضى الدكتور أسامة عبد الرحيم في أفادته للعودة وزاد بأن التجارب المقارنة في دول الربيع العربي أثبتت أن:

الثورة تفتح المجال لكن التنظيم هو الذي يحسم

والانتخابات تكافئ الأكثر انتشارًا وتنظيمًا لا الأكثر خطابًا، ولكي يسد أي حزب فراغًا بهذا الحجم، يحتاج إلى:

(هيكل تنظيمي وطني حقيقي) يبنى على مستويات في (ولايات – محليات – قواعد)،

قيادة كاريزمية ذات قبول عابر للجهويات، برنامج اقتصادي واضح يعالج المعيشة والخدمات، قدرة على التحالفات المرنة،

خطاب جامع لا إقصائي،

حتى اللحظة، لا يبدو أن أي حزب جديد استوفى هذه المعايير بالكامل.

معوقات موضوعية

وفيما بيتعلق بوجود معوقات للأحزاب للظهور بشكل إيجابي ومفيد، يقول الدكتور أسامة: نعم هناك عوامل موضوعية تعيق هذه الاحزاب والقوى السياسية المدنية منها:

الحرب وتعطل العملية السياسية

غياب انتخابات حقيقية تقيس الوزن الجماهيري والتدخلات الإقليمية التي تعيد تشكيل التوازنات

انشغال الشارع بالأمن والنجاة اليومية أكثر من السياسة الحزبية

وعاد الدكتور اسامة عبد الرحيم واضاف أنه يعتقد أنه بالإمكان أن تتحول لاحقا و مستقبلا لقوى ذات اثر فعال و منتج، ولكن بشرط:

إذا أعادت هيكلة نفسها تنظيميًا خارج المركز، إذا قدمت مشروعًا وطنيًا جامعًا يتجاوز الاستقطاب القديم (إسلامي/ مدني – عسكري/ مدني)

زاد الدكتور اسامة في قراءته للعوده واضاف بأنه في ظل تآكل الأحزاب التقليدية، فالمجال مفتوح، لكن المنافسة ستكون شرسة عند عودة العملية السياسية، غير أن التقييم الموضوعي لأداء الأحزاب التي نشطت عقب سقوط نظام الإنقاذ يفرض ملاحظات أكثر صراحة، فقد أظهرت التجربة أن بعض هذه القوى السياسية، بدل أن تسعى إلى بناء مشروع وطني مستقل، انخرطت في اصطفافات خارجية وأصبحت مواقفها وتحركاتها مرتهنة بدرجات متفاوتة لدعم إقليمي أو دولي، الأمر الذي أضعف استقلال قرارها السياسي وأفقدها جزءًا من مصداقيتها الوطنية.

كما أخفقت هذه الأحزاب في ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية، إذ انصرفت في أحيان كثيرة إلى تصفية الحسابات السياسية وإقصاء الخصوم من مؤسسات الدولة، مستندة إلى شرعية ثورية ظرفية، بدل تبني مقاربة توافقية تضع الاستقرار وبناء المؤسسات فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة. وقد أفرز هذا السلوك حالة استقطاب حاد عمّقت الانقسام المجتمعي والسياسي بدل معالجته.

فتور في قبول الإنتخابات

وعلى مستوى المسار الدستوري، يرى الدكتور أسامة عبد الرحيم أنه لم تُظهر غالبية هذه القوى حماسًا جادًا للانتقال السريع إلى انتخابات حرة باعتبارها الآلية الطبيعية لاكتساب الشرعية الشعبية، بل بدا أن هناك ميلاً لإطالة أمد الفترة الانتقالية وإدارتها عبر نظام المحاصصة الحزبية، بما يضمن استمرار النفوذ السياسي دون اختبار الوزن الحقيقي في صناديق الاقتراع،

وفي المحصلة، فإن جزءًا معتبرًا من المسؤولية السياسية عن حالة التفكك والانهيار التي انتهت إلى الحرب الدائرة اليوم يقع على عاتق القوى التي أدارت المرحلة الانتقالية، سواء بسبب سوء التقدير، أو ضعف الإدارة، أو تغليب الحسابات الحزبية على مقتضيات بناء الدولة. فالفشل في إدارة الانتقال اثبت انه كان اكثر خطورة من إسقاط النظام السابق، بل امتد أثره ليشكل وضعا تعقيدًا إذا قاد إلى انهيار شامل في معظم بنى الدولة.

واجهات فارغة بلا محتوى

الإعلامي والمحلل السياسي ضياء الدين بلال يرى في افادته ل(العودة) أن معظم الأحزاب التي نشأت عقب سقوط الإنقاذ هي واجهات فارغة، أي أغلبها عبارة مجموعة من الأشخاص لديهم لافتة وعنوان ولكن لا يوجد لديهم محتوى، وحتى عضويتهم محدودة للغاية ويمكن لأي مجموعة أن تفعل ذات الفعل الآن، بمعنى أنه يمكن لأي مجموعة أن تجمع مجموعة من الناس حولها وتقول إن لها كياناً أو لها حزب ومن الواضح غياب الجهة التي تتحقق وتحاسب أو تسمح حالياً بالحديث باسم أي حزب دون أن يكون هناك تسجيلاً لهذا الحزب في الدوائر المنظمة لتسجيل الأحزاب، لذلك اقول لكم إن هذه الأحزاب الحديثة في الواقع عبارة عن اصوات أكثر من كونها كيانات، وحتى الأحزاب اللي كانت لها قوة جماهيرية وحضورا كبيرا، بدأت منذ فترة من الزمان في التصدع والتشقق وأصبحت مجموعة أحزاب بدل من أن تصبح حزباً واحداً مثل حزب الأمة وحزب الاتحادي وغيرها، فللاسف الساحة السياسة لا يوجد بها أحزاب حقيقية ود لك من شأنه إحداث عملية تشويش على الرأي العام ويوضح حالة (الخوَر السياسي) في المجتمع السوداني وإن لم يكن لدينا أحزاباً حقيقية فلن يكون لدينا ديمقراطية حقيقية وإذا لم يكن لدينا أحزاباً ديمقراطية فلن يكون لدينا ديمقراطية حقيقية كذلك، فمن المهم قياس هذه الأصوات بأوزانها الحقيقية لا باللافتات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى